بسم الله الرحمن الرحيم

التعليم عن بعد في خدمة التعليم الأساسي في مصر

د. نادر فرجاني
فبراير 1999
 

المحتويات

تمهيد

القسم الأول: عموميات
 - مقدمة
 - مفهوم التعليم عن بعد
 - تطور التعليم عن بعد
 - المتطلبات التقانية للتعليم عن بعد
 - الوسائط التقانية الأكثر مناسبة للتعليم عن بعد في البلدان النامية
 - الحاجة إلى التعليم عن بعد، والتعليم متعدد القنوات
 - شروط نجاح التعليم عن بعد، والتعليم متعدد القنوات

القسم الثاني: التعليم عن بعد في خدمة التعليم الأساسي في مصر؛ تقييم أولي
 - جهود التعليم عن بعد
 - تقييم جهود التعليم عن بعد
 - آراء عينة من القيادات التعليمية

خاتمة

المراجع

تمهيد

 أعدت هذه الورقة بتكليف من مكتب القاهرة لمنظمة اليونسكو، في سياق برنامج المنظمة حول "التعليم عن بعد لدعم التعليم الأساسي في البلدان التسعة الأكبر سكانا".

 تتكون الورقة من قسمين. يقدم الأول عموميات عن التعليم عن بعد، والتعليم متعدد القنوات، ويؤكد على الحاجة إليهما في البلدان النامية، ويركز على التحديات التي تواجه إقامة أنماط كفء من هذه الأنماط التعليمية.

 وقد صيغت المادة المتضمنة في هذا القسم في عددين من نشرة غير دورية عن التعليم عن بعد أرسلا إلى القيادات التعليمية على المستويات المختلفة لوزارة التربية والتعليم وإلى المهتمين بالتعليم عن بعد في الجامعات والإذاعة (المسموعة والمرئية) وغيرها من المؤسسات. كما نوقشت المادة في مؤتمر بالفيديو ضم ممثلين لمسئولي التعليم، وممثلي الآباء، في أنحاء الجمهورية يوم 2 فبراير 1999.

 ويتضمن القسم الثاني توصيفا، غير كامل، لجهود التعليم عن بعد في خدمة التعليم الأساسي في مصر، ويعرض- للنقاش- تقييما أوليا لهذه الجهود، فرض عليه أن يكون انطباعيا، لندرة جهود التقييم الرصينة في هذا المجال. ويتكون جانب من التقييم من تلخيص لآراء المشاركين في المؤتمر بالفيديو المشار إليه أعلاه.

 والمؤكد أن استخدام التعليم عن بعد في خدمة التعليم الأساسي في مصر، قديم ومتنوع الأشكال، كما تحققت طفرة في الميدان في التسعينيات، في سياق إدخال تقانات التعليم الحديثة. ولكن هذه الجهود غير موثقة بالدرجة الكافية للمتابعة الوافية. ويكاد يغيب التقييم الرصين لها. إلا أن مثل هذا التقييم هو الضمان الوحيد لنجاع المسعي.

القسم الأول: عموميات

مقدمة

 ساعد التطور المتسارع في تقانات المعلوماتية والاتصال الحديثة على رواج استخداماتها التعليمية، مما أدي إلى زيادة كفاءة أشكال التعليم عن بعد، وبروز صنوف جديدة، أكثر فعالية، منها، ورسوخ مقاربة التعليم "متعدد القنوات".

 إذ يمكن، من حيث المبدأ، التفرقة بين التعليم عن بعد كبديل للتعليم التقليدي (حيث يترتب على الالتحاق ببرنامج للتعليم عن بعد إكمال مرحلة تعليمية أو الحصول على مؤهل)، وبين التعليم عن بعد كمكمّل للتعليم التقليدي في سياق "التعليم متعدد القنوات"، الذي تقوم فيه أشكال من التعليم عن بعد في ضفيرة حول التعليم في المؤسسات التعليمية النظامية.

 وقد أصبح التعليم عن بعد، وتعدد القنوات التعليمية، عنصرين جوهريين، ومتناميين، في منظومة التعليم المتكاملة في المجتمعات الحديثة.

 ومعروف أن نسق التعليم في البلدان النامية يعاني من أوجه قصور ومشكلات يظهر أن التعليم عن بعد، خاصة في سياق التعليم متعدد القنوات، يمكن أن يساهم في مواجهتها. ويقع على رأس قائمة القصور هذه مشكلات الاستبعاد من التعليم التقليدي إما بسبب النوع أو البعد المكاني، أو الفقر. ولا يقل عن ذلك أهمية انخفاض نوعية التعليم، وضعف العلاقة بين التعليم ومقتضيات التنمية والتقدم.

 غير أن مشكلات نسق التعليم، وسمات السياق العام للتعليم في البلدان النامية، يمكن أن تُنتج أنماطا من التعليم عن بعد مشوهة وقليلة الكفاءة إذا لم يخطط لها بروية، وتوفر لها الإمكانات الكافية. كذلك قد يفاقم اعتماد تعدد القنوات التعليمية، دون تحسب دقيق، من مشكلات تنظيم الأنساق التعليمية وإدارتها بكفاءة.

 ولذلك فإن الاستغلال الناجع لتقانات المعلوماتية والاتصال الحديثة في التعليم عن بعد، والتعليم متعدد القنوات، يمثل تحديا ليس بالهين.

مفهوم التعليم عن بعد

 من حيث المبدأ، يقوم التعليم عن بعد على عدم اشتراط الوجود المتزامن للمتعلم مع المعلم في الموقع نفسه[1]. وبهذا يفقد كلا المعلم والمتعلم خبرة التعامل المباشر مع الطرف الآخر[2]. ومن ثم تنشأ الضرورة لأن يقوم بين المعلم والمتعلم وسيط. وللوساطة هذه جوانب تقانية وبشرية وتنظيمية.

 كما يمكّن التعليم عن بعد المتعلم من اختيار وقت التعلم بما يتناسب مع ظروفه، دون التقيد بجداول منتظمة ومحددة سلفا للقاء المعلمين، باستثناء اشتراطات التقييم[3]. الأمر الذي يعني حضور "المدرسة" للمتعلم بدلا من ذهابه للمدرسة في التعليم التقليدي.

 وينطوي كل ذلك، في النهاية، على غياب القرناء بالمعني التقليدي في كثرة من أشكال التعليم عن بعد[4].

 ولكل ذلك لا يمكن أن يقوم نسق فعال من التعليم عن بعد في غياب تواصل قوي، ومتبادل، بين المعلم والمتعلم عن بعد، ويفضل أيضا بين قرناء على البعد، يتكيف حتما بالتقانة ووسائط الاتصال المستخدمة. إذ أن غياب هذا التواصل يعني تدهور التعليم عن بعد إلى صورة "حديثة" من التعليم بالمراسلة من خلال الدرس المستقل للمتعلم.

تطور التعليم عن بعد

 في البداية، كان التعليم عن بعد يعني التعليم بالمراسلة، أي أن الوسيط كان الخدمة البريدية التي تنقل مواد مطبوعة، أو مكتوبة، بين المتعلم والمعلم. ولكن جعبة التقانات التي تستعمل في التعليم عن بعد تتسع حاليا لتشمل مجموعة كبيرة من تطبيقات الحواسيب ووسائط الاتصال الحديثة كالأقمار الصناعية. فتوفر تطبيقات الحواسيب حاليا سبل نقل النص، والصورة، والحركة، والخبرة الحسية (من خلال أساليب "الحقيقة الظاهرية") كأساليب للاتصال تبز أحيانا ما يوفره أقدر المعلمين في قاعات التدريس العادية. ويمكن الآن باستخدام الأقمار الصناعية الاتصال هاتفيا وتوصيل البث الإذاعي، صوتا وصورة، لمواقع نائية دون شبكات بنية أساسية أرضية مكلفة.

 فحيث يمثل التعليم بوجه عام وظيفة أساسية في المجتمعات البشرية، كان طبيعيا أن تتغير أشكال التعليم بوجه عام، وتتطور، مع تصاعد التطور التقاني. وحيث يعتمد التعليم عن بعد بوجه خاص على تقانات الاتصال، مهّد كل طور من التطور في هذه التقانات لبزوغ الأشكال المناسبة له من التعليم عن بعد.

 فتطور شبكات البريد أنتج التعليم بالمراسلة عبر المواد المطبوعة والمكتوبة. وأدي بدء البث الإذاعي إلى استخدام الراديو في التعليم. وبتقدم الصناعات الكهربائية والإلكترونية ازداد دور الصوتيات بشكل عام في التعليم من خلال أجهزة التسجيل, ثم ظهر التلفزيون، وتلاه الفيديو. وازدادت أهمية أشكال البث التعليمي، سمعا ورؤية، مع شيوع استعمال الأقمار الصناعية. وبانتشار الحواسيب الشخصية وشبكات الحواسيب، أصبحت تطبيقات الحواسيب، خاصة تلك القائمة على التفاعل، من أهم وسائل التعليم عن بعد، وأكثرها فعالية، وعلى وجه الخصوص في ميدان التعلم الذاتي.

 في الولايات المتحدة الأمريكية، على سبيل المثال، منحت أولي تراخيص "الراديو التعليمي" في العشرينيات الأولي من القرن الحالي، وبدأ البث التلفزيوني التعليمي في عام 1950. ولم تنشأ أولي، وربما أهم، الجامعات المفتوحة إلا في عام 1971 في بريطانيا. وبدأ استخدام شبكات الحواسيب في التعليم والتعلم في الولايات المتحدة الأمريكية عندما وفرت "مؤسسة العلم القومية" للجامعات الأمريكية فرصة استعمال شبكة الإنترنت في منتصف الثمانينيات. وتلا ذلك، أي في التسعينيات، بدء انتشار استعمال الوسائط الحاسوبية في التعليم قبل الجامعي، وفي أماكن العمل وفي البيوت.

المتطلبات التقانية للتعليم عن بعد

 لكل نوع من التعليم عن بعد، وفي الواقع لكل هدف تعليمي محدد، وسائط تقانية أكثر مناسبة من غيرها، فالراديو يساعد على شحذ الخيال، والتلفزيون فعال في التعامل مع الأحداث المركبة، الحواسيب تناسب اكتساب المهارات الناجمة عن التكرار والممارسة والتفاعل (وبالمناسبة، تدل البحوث الحديثة في تكوّن الذاكرة طويلة الأجل على الدور الجوهري لتكرار الخبرة). ولذلك فإن تعدد الوسائط التقانية، في سياق التعليم متعدد القنوات، يوفر مجالا أرحب لإثراء العملية التعليمية. كذلك يتكيف استخدام الوسائط التقانية بظروف المجتمع المحدد الذي تقوم فيه، سواء من حيث التوافر، أو النوعية أو كفاءة الاستغلال.

 وتجدر الإشارة هنا إلى ملحوظتين أساسيتين.

 الأولي أن استعمال أشكال التعليم عن بعد المختلفة والتركيز النسبي على أي منها، في أي مجتمع، رهن بالتشكيلة التقانية القائمة فيه وبمقوماتها المجتمعية، بما في ذلك البنية الأساسية والتنظيمية.

 والثانية، أن استخدام الأشكال الأكثر فعالية من التعليم عن بعد، تلك التفاعلية باستخدام الحواسيب والشبكات، والمؤثرة على نوعية التعليم، حديث نسبيا حتي في المجتمعات المتقدمة. وأن هذه الأشكال هي في الوقت نفسه الأكثر كثافة تقانيا، والأعلى تكلفة، والأكثر حاجة لبني تحتية مكلفة هي الأخرى. والبلدان النامية مستقبلة متأخرة لهذه الإمكانات، ومن ثم لن يمكن، وفق مجريات الأمور الراهنة، التوصل لها إلا لأقلية، تتضاءل في المناطق الأفقر.

 ويقل توافر وسائل الاتصال الحديثة في البلدان النامية مع حداثة وسيلة الاتصال، وارتفاع ثمنها (التليفون والفاكس الحواسيب والإنترنت) ومدي حاجتها لبنية أساسية مكلفة (التليفون والفاكس والإنترنت). وبعبارة أخري، يقل توافر وسائل الاتصال كلما زادت فعاليتها في التعليم عن بعد ومن باب أولي، في التعلم الذاتي عن بعد.

 كذلك يتعين ملاحظة أن المهم ليس مجرد الوجود، ولكن مدي إمكان الاعتماد عليها- فمازال البريد العادي غير مضمون وصوله، ناهيك عن وصوله بسرعة، لعموم القطر، وتقلل الأعطال المتكررة من الاستفادة من وسائل الاتصال الباقية، في بلدان نامية.

 والنوعية مسألة حتي أعقد. وهنا تثار أمور مثل: هل تصل التليفونات "كابلات" نحاسية تقليدية أو ألياف ضوئية، وأي أساليب نقل المعلومات تطبق في الشبكات؟ حيث تحدد هذه الفروق طاقة نقل المعلومات ومدي سرعة نقلها عبر الشبكات، ومن ثم درجة غني الرسائل التعليمية التي يمكن نقلها.

الوسائط التقانية الأكثر مناسبة للتعليم عن بعد في البلدان النامية

 وبناء على المناقشة السابقة، يظهر أن الراديو- والصوتيات بوجه عام- يليها التلفزيون، هي الوسائط الأكثر مناسبة للاستعمال الواسع، خاصة في ميدان مقاومة الاستبعاد من التعليم، في البلدان النامية حاليا.

 فتتميز هذه التقانات، من حيث المبدأ، بكونها واسعة الانتشار، ورخيصة نسبيا، ولا تحتاج بنية تحتية مكلفة. والواقع أن انتشار البث الإذاعي في البلدان النامية متسع جدا، لأسباب غير تعليمية، وفي الأغلب مترد نوعا، بما يؤسس حاجة للاستخدام الفعال لهذه الوسائط في التعليم والتنوير.

 ولكن ينتاب الإذاعة التعليمية، المسموعة والمرئية، وجه قصور تعليمي أساسي هو غياب التفاعل المزدوج بين المعلم والمتعلم. ومع ذلك، يزيد من الأهمية التي يجب أن تولي لاستعمال الراديو وجود تقييمات حسنة، حتي في تعليم أوليات الرياضيات والعلوم، لما يسمي "تعليم الراديو التفاعلي" الذي يتضمن إشراك المتعلمين عن بعد من خلال طلب قيامهم بنشاطات، فردية أو جمعية، أثناء البث الإذاعي، بدلا من مجرد الإنصات السلبي. ولا يوجد من حيث المبدأ ما يمنع من أن تمتد هذه الطريقة للبث التعليمي التلفزيوني. ولكن ذلك النوع من التواصل المنقوص لا يقوم بديلا فعالا، في كلتا الحالتين، للتفاعل الآني.

 وفوق ذلك، فإن المزايا العامة التي ذكرنا أعلاه للإذاعة من حيث المبدأ لم تمنع أن تعاني برامج البث الإذاعي التعليمي في البلدان النامية، التي اهتمت بتقييمها، من أوجه نقص عديدة منها نقص التمويل، وقلة المعدات ووقت الإذاعة المتاح، وضعف تدريب العاملين، وقلة اهتمام المسؤولين- الذين يفضلون البرامج المدرة للربح- وحتي المعلمين.

 غير أن التوصية بالاهتمام بالإذاعة لا تعني، على الإطلاق، إهمال التقانات الأكثر تطورا، خاصة وهي تحمل الأمل الأكبر في مواجهة مشكلة تردي نوعية التعليم التقليدي في البلدان النامية.

الحاجة إلى التعليم عن بعد، والتعليم متعدد القنوات

 بداية، يمكن، بل مطلوب بشدة، أن يساهم التعليم عن بعد في حل مشكلات الاستبعاد من التعليم التقليدي، سواء فيما يتصل بالتعليم قبل المدرسي بوجه عام، أو استبعاد البنات والنساء والمناطق النائية والفئات الفقيرة من مراحل التعليم الأعلى.

 ومن الممكن، بل صار ملحا، أن تستغل أساليب التعليم عن بعد في مكافحة تردي النوعية في التعليم التقليدي من خلال التعليم متعدد القنوات. ومن المميزات المعروفة لبعض أشكال التعليم عن بعد هو انخفاض تكلفتها، الأمر الذي يساعد على استخدامها في البلدان الأفقر.

 ويمكن أن تساعد أساليب التعليم عن بعد في التغلب على ندرة المعلمين، خاصة في المناطق النائية والأفقر فيها، وتوفر أداة فعالة للنهوض بمستوي المعلمين باستمرار، وتساهم في توسيع نطاق الاستفادة من المعلمين الموهوبين، سواء في تعليم النشء أو في تدريب عامة المعلمين.

 غير أن لتبني التعليم عن بعد، بكفاءة، ميزتين إضافيتين، على الصعيد الاجتماعي وفي المعترك الدولي.

 على الصعيد الاجتماعي، سيساعد تنامي "التعلم الذاتي عن بعد" بين أبناء القادرين على تفاقم الانتقائية المتزايدة للفئات الاجتماعية الأغني في التعليم الأرقي نوعية، بحيث يصبح التعليم أداة لتكريس الاستقطاب الاجتماعي، بدلا من وظيفته المرجوة في التقليل من الفوارق الاجتماعية.

 وترتب هذه السمة أهمية خاصة لتوفير إمكان الاستفادة من ثمرات التقانات الحديثة لأبناء الفئات الاجتماعية الأضعف. وقد صار لزاما، خاصة مع انتشار الفقر، أن توفر نظم التعليم العربية العامة الأشكال الأحدث من تقانات التعلم الذاتي عن بعد لأبناء غير القادرين.

 وفي المعترك الدولي، تنطوي عملية العولمة على أنماط، مباشرة وأخري مقنّعة، من التعليم عن بعد، من خارج نسق التعليم والتنشئة الوطني، قوي ويزداد قوة باطراد، ومحمّل بلغات وبثقافات غريبة- بأوسع معني- بما قد يحمل أخطارا على رسالة التعليم. ومن ثم بات ضروريا دخول معترك التعليم عن بعد باعتباره مجالا حيويا للتعلم على صعيد العالم لم يعد ممكنا تجاهل وجوده.

 وباعتبارها تبدأ من الصفر تقريبا، تنهض فرصة لأن تُصمم نظم التعليم عن بعد، منذ البداية، لتتلافي نقائص التعليم التقليدي، خاصة تلك التي ينعقد الأمل على التعليم عن بعد في المساهمة في مكافحتها وعلى رأسها الاستبعاد- بمختلف أنواعه التي ذكرنا أعلاه- وتردي النوعية، والفصام مع مقتضيات التنمية والتقدم.

شروط نجاح التعليم عن بعد، والتعليم متعدد القنوات

 هناك قدر من الانبهار بالتعليم عن بعد، وباستخدام التقانات الأحدث، وكأنها حلول سحرية، دون تمحيص. هذا على حين يواجه التعليم عن بعد، والتعليم متعدد القنوات بوجه خاص، مشكلات عديدة، تزداد حدة في البلدان النامية. والخشية أن تؤدي حالة الانبهار هذه إلى إحباط ضخم، في ميدان التعليم. إذ ليس التعليم عن بعد حلا سحريا، بل أحد عناصر منظومة تعليم متكاملة، وهكذا يجب أن ينظر، وأن نقدم عليه باعتباره تحديا كبيرا، إن أردنا النجاح في هذا الميدان الحديث نسبيا.

 فعلى حين يقدم بعض الباحثين، في الغرب، قرائن على أن بعض برامج التعليم عن بعد يمكن أن تنتج نوعية أعلى من التعليم، خاصة العالي، بسبب ضرورة تحمل المتعلم للمسؤولية، والاشتراك الأكثر فعالية للمتعلمين في العملية التعليمية، وغياب الحواجز النفسانية للتعبير في المجموع، وغيره من المبررات، لا يوجد دليل علمي قاطع على أفضلية التعليم عن بعد على التعليم التقليدي في منظور النوعية.

 وعلى العكس، يتوافر دليل قوي على أن برامج التعليم عن بعد تعاني معدلات انقطاع أعلى من التعليم التقليدي. وهذا أمر متوقع في ضوء ظروف غالبية الملتحقين بالتعليم عن بعد، والتي أدت لحرمانهم من التعليم التقليدي بداية.

 والواقع أن التعليم عن بعد يمكن أن يقع في نفس مشاكل التحصيل في التعليم التقليدي، خاصة ثلاثية "التلقين-الاستظهار-الإرجاع" اللعينة. بل يمكن أن يعاني منها أكثر من التعليم التقليدي بسبب توسط المعدات الجامدة بين المعلم والمتعلم. ولذلك يجب أن تكوّن مقاومة التسرب وضمان النوعية الراقية محاور أساسية في التخطيط للتعليم عن بعد.

 والمعروف أن آثار التعليم عن بعد أكثر تشتتا من التعليم التقليدي، ومن ثم أصعب في التقييم. وتزداد هذه الصعوبة في البلدان التي تضعف فيها فكرة التقييم، وتقل مصداقية جهود التقييم.

 وتطوير المواد التعليمية، المشوقة والفعالة، في التعليم عن بعد أمر صعب ومركب- يجب أن يتم من خلال فرق متكاملة تضم تربويين وخبراء، في الموضوعات وفي التقانات ووسائط الاتصال المستخدمة، وفنانين وغيرهم. ويجب أن يقوم إنتاج المواد التعليمية على تبني نموذج "البحث-التطوير-التقييم-المراجعة" باستمرار.

 وهو أيضا مكلف. في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، يقدر أن تكلفة إنتاج الدقيقة الواحدة من برامج التلفزيون التعليمية الجيدة تبلغ حول ثلاثة آلاف دولار. ولذلك كثير ما يتم التأكيد على أن الاستفادة من التعليم عن بعد يجب أن تكون من الاتساع والعمق بحيث تتحقق معادلة معقولة بين التكلفة والعائد.

 وتمثل ندرة المواد التعليمية الصالحة للتعليم عن بعد باللغة العربية مشكلة خاصة يتعين العمل على تلافيها تمهيدا للدخول القوي في هذا المضمار.

 
المنظومة البشرية: تشترك فئات متنوعة، و"جديدة"، من البشر في التعليم عن بعد، وتزداد- عددا وتنوعا- في التعليم متعدد القنوات. فبدلا من مجرد "ثنائي" المدرس والطالب يقوم التعليم عن بعد- في الحد الأدني- على "ثالوث": معلم عن بعد- أو معلم في "الأستوديو"؛ متعلم عن بعد؛ ميسر الموقع (الذي يتعامل فيه المتعلم عن بعد) بجوانب العملية التعليمية عن بعد، خاصة من خلال وسائل الاتصال المتقدمة غير المتاحة للمتعلم الفرد.

 ويتعين أن تتفاعل الأطراف الثلاثة كفريق كفء مع تغير دور المعلم والمتعلم عن المتعارف عليه في التعليم التقليدي. فالمعلم عن بعد- الكفء- ليس ملقنا لكم معين من المعلومات، ولكن ميسرا للتعلم من خلال الاكتشاف، وعبر التواصل مطرد الترقي.

 لكن هناك- غير هؤلاء الثلاثة- آخرين كثر تضمهم فرق تصميم وإنتاج المادة التعليمية، كما أشرنا، والفنيين والإداريين في مواقع التعليم عن بعد وفي الإدارة التعليمية على مستوياتها المختلفة، ومقدمو خدمات الاتصال المختلفة، وغيرهم.

 وهناك خطر أن يقع التعليم عن بعد في أيدي "التقانيين"- نتيجة لقلة معرفة التربويين بالتقانات الحديثة، أو افتتانهم الشديد بها. وينطوي ذلك على الوقوع في التركيز الزائد على التقانات والمعدات، عوضا عن الهدف الأصيل وهو الاحتياجات التعليمية للمتعلمين عن بعد. إن التعرف على هذه الاحتياجات، وأفضل السبل للوفاء بها، يجب أن يسبق حتي اختيار التقانات وتحديد التوظيف الأفضل لها لتحقيق الغاية التعليمية. ويستلزم درأ ذلك الخطر، على وجه الخصوص، أن يعاد توجيه برامج تكوين التربويين، الجامعية وأثناء الخدمة، لتتضمن مكونا قويا في التعليم عن بعد، نظريا وعمليا.

 
البنية الأساسية والمعدات والبرمجيات: واضح أن تكلفة التعليم عن بعد، خاصة التفاعلي منه، مرتفعة لدرجة يمكن أن تكون مانعة للانتشار، ولو المحدود. إذ حتي في الولايات المتحدة الأمريكية تحول القيود المالية أحيانا دون توافر المعدات والبرمجيات ومداخل شبكات الاتصال اللازمة لهذا النوع من التعليم عن بعد. ويزيد من التكلفة على المدى الطويل، التقادم السريع لكثرة المعدات والبرمجيات المستعملة في التعليم عن بعد-التفاعلي.

 وخلاف التكلفة، هناك شروط عديدة للاستخدام الفعال للمعدات الحديثة من أهمها التدريب الفعال والصيانة المستمرة. ويترتب على قلة توافر هذه الشروط تضاؤل استخدام المعدات الحديثة إلى جانب طفيف من إمكاناتها. وقد يصل الأمر لبوار المعدات، وقلة الاستفادة من البرمجيات، تحت ظروف البيروقراطية والإهمال المتفشيين في الإدارة الحكومية في البلدان العربية.

 وعلى السياق التنظيمي والإداري يتوقف العائد على نظم التعليم عن بعد والتعليم متعدد القنوات. إذ أن التعليم عن بعد نسق أعقد من التعليم التقليدي، ومن ثم يحتاج لأنظمة أكفأ وإدارة أرقي. وتزداد المشكلات التنظيمية والإدارية تعقيدا في إدارة التعليم متعدد القنوات. والمعروف أن الإدارة المدرسية التقليدية تميل للمركزية والجمود، بينما يكمن نجاح التعليم عن بعد في اللامركزية والمرونة اللازمين لتكامل عديد من المكونات المتباينة في نسق متكامل يسعي لبلوغ غاية مشتركة.

 وعند تبني التعليم عن بعد يصبح مطلوبا بوجه خاص مرونة القيادات التعليمية- وهي في العادة أكثر جمودا وتمسكا بالسلطة، واغترابا عن التعليم عن بعد ومحتواه التقاني، من الأجيال الأصغر في المؤسسة التعليمية. ويستلزم ذلك الاهتمام بالتوعية المكثفة بمضمون التعليم عن بعد، والتدريب على إدارة مكوناته العديدة، والتنسيق بينها، خاصة في مستويات الإدارة التعليمية المختلفة قبل بدء البرامج.

 وتتضمن الأمور التي تحتاج عناية خاصة في مضمار التنظيم والإدارة، ومتطلبات مختلفة عن التعليم التقليدي، مسائل "الاعتراف" بالمؤسسات العاملة في ميدان التعليم عن بعد، وتقييم المتعلمين، وتقييم المعلمين، والترخيص للمعلمين وتجديده، وتدريبهم.

 ويمثل السياق الاجتماعي للتعليم عن بعد محددا جوهريا لمدي نجاحه. وهنا تثور عدة مشكلات تطلب اعترافا من ناحية، ومواجهة جادة من ناحية أخري.

 بداية يعاني التعليم عن بعد من انخفاض المكانة الاجتماعية، حيث يُعد تعليما "من الدرجة الثانية"، يرتاده فقط من لم يقدر، أكاديميا أو ماليا، على "امتلاك" أشكال التعليم التقليدي. وينبغي التخطيط لمحاربة هذه السمعة السيئة. وجلي أن السلاح الأمضي في هذه الحرب هو ضمان النوعية المتميزة في برامج التعليم عن بعد، خاصة تلك البديلة للتعليم التقليدي. والسبيل الأساسي لذلك هو تطبيق نظم الاعتراف الأكاديمي ببرامج التعليم عن بعد بصرامة. وتبين الخبرة العملية أن أحد أهم سبل احترام التعليم عن بعد هو اعتراف مؤسسات التعليم التقليدي المتميزة بخريجي برامجه بين طلبتها.

 والخلاصة أن الاستغلال الناجع للتعليم عن بعد، والتعليم متعدد القنوات- خاصة باستعمال تقانات التفاعل الإلكترونية- يقتضي ثورة حقيقية في التعليم ككل. فكل المكونات التي سبق الإشارة إليها يتعين أن يتكامل في منظومة متناغمة داخليا، وتلتئم- في تناغم أيضا- مع نسق التعليم التقليدي القائم، الأمر الذي يوجب ضرورة التجريب واكتساب الخبرة التراكمية من خلال التقييم الرصين والتطوير المستمر.

القسم الثاني: التعليم عن بعد في خدمة التعليم الأساسي في مصر؛ تقييم أولي

جهود التعليم عن بعد[5]

 
استخدام التعليم عن بعد في دعم التعليم الأساسي في مصر من خلال الإذاعة، بنوعيها، قديم نسبيا. فيعود الاستغلال الموثق للتلفزيون في مجال محو الأمية مثلا إلى الستينيات الأولي. وربما سبقته الإذاعة. ويدل شتات الوثائق المتاح على ثراء البرامج الإذاعية، المسموعة والمرئية، في دعم تعليم الكبار والتعليم الأساسي، وهناك الآن مشروع لتدريب معلمي اللغة الإنجليزية بالراديو.

 وقد قامت وزارة التربية والتعليم بجهد في إعداد مواد للدراسة المستقلة بواسطة المعلمين في مجالي التربية السكانية والبيئية. ويمكن أن يندرج تحت وسائط الدراسة المستقلة أيضا جهد وزارة التربية والتعليم في إعداد مواد تعليمية على شرائط فيديو وأقراص مضغوطة، بفرض توافر المعدات اللازمة، وإمكان استخدامها بواسطة التلاميذ.

 ولعل نظام الانتساب الموجه لمعلمي التعليم الأساسي من خريجي معاهد المعلمين والمعلمات، والذي يطبق بالتعاون مع كليات التربية في الجامعات المصرية هو برنامج التعليم عن بعد الوحيد المتكامل في مصر، حيث ينتهي إتمامه بالحصول على شهادة في التربية (التعليم الأساسي) تعادل درجة البكالوريوس. حيث يعتمد الملتحقون بالبرنامج على التعلم الذاتي، بالإضافة إلى الحضور إلى مراكز دراسية في أوقات فراغ مناسبة، والانتظام في الدراسة أثناء العطلة الصيفية لمدة شهرين لدراسة المواد التي تتضمن جوانب عملية. وهذا البرنامج من أقدم البرامج (تعود بداياته إلى عام 1983) وأضخمها. ويُقدّر أنه قد تم تأهيل أكثر من مائة ألف معلم منذ بدء البرنامج (المركز القومي للامتحانات والتقويم التربوي، 1998).

 ولا خلاف في أن شبكة الاجتماع بالفيديو في مصر منجز تقاني بارز يعبر عن طفرة في استخدام وسائل التعليم عن بعد الإثرائية، حيث يشكل ارتباط 29 مركزا للتخاطب الآني بالصوت والصورة، يمكن أن تستوعب ما يربو على 3700 مشارك، تجسيدا لتقانات الاتصال الأحدث ذات شأن عظيم. وقد استخدمت الشبكة بكثافة منذ إنشائها. وتشير إحصاءات مركز التطوير التكنولوجي إلى عقد 124 برنامجا باستعمال الشبكة خلال اثني عشر شهرا المنتهية في منتصف 1998، ضمت قرابة 170 ألف مستهدف، بالإضافة لاجتماعات الدكتور الوزير بقيادات التعليم على مستوي الجمهورية باستخدام الشبكة.

 ويوفر تزويد المدارس بالحواسيب المجهزة بالاتصال عبر خطوط الهاتف، من حيث المبدأ، إمكان اتصال المعلمين والتلاميذ بالشبكات، خاصة الإنترنت، التي أصبحت مصدرا أساسيا للمعلومات، وسبيلا مهما للتعلم الذاتي. ويستمد من إحصاءات مركز التطوير التكنولوجي أنه قد تم، حتى نهاية عام 1998، تزويد أكثر من عشرة آلاف مدرسة في مراحل التعليم الأساسي بهذه القدرة.

 ولا ريب في أن القنوات الفضائية المخصصة للتعليم، ونصيب التعليم الأساسي منها أربع، هي أحدث الإضافات لترسانة وسائط التعليم عن بعد في مصر. ورغم أن القنوات التعليمية المتخصصة مازالت في مراحلها الأولي، فقد احتدم الجدل حولها: تكلفتها وجدواها، وتحدي كم الإنتاج الهائل المطلوب، ومضمون البث، ومواعيده، ووسيلة استقباله وتكلفتها، وانعكاس ذلك كله على قدر فائدة الفئات الاجتماعية المختلفة منه (انظر، على سبيل المثال، تقرير الحلقة النقاشية التي عقدها مركز التدريب والتوثيق والإنتاج الإعلامي بكلية الإعلام، في "الأهرام الاقتصادي"- 25 يناير 1999).

 ويمكن القول بأن التوثيق الذي توافر من خلال العمل على هذه الدراسة الأولية يقصر بشدة عن مقتضيات تحليل عميق، ناهيك عن تقييم رصين.

 ولنأخذ بعض الأمثلة. فلم تتوافر، باستثناء جزئي وحيد في مجال محو الأمية، بيانات مضبوطة عن كم الإرسال الإذاعي، المسموع أو المرئي، في خدمة التعليم الأساسي، ولا عن مدي الاستماع له، ولا تقييم لجدواه. ولم تتوافر بيانات عن استعمال وسائل الدراسة المستقلة التي طورتها الوزارة. ولم تتوافر معلومات عن مدي وطبيعة استخدام الحواسيب في المدارس، خاصة في الاتصال بالشبكات. ولم تتوافر تقييمات لمدي فعالية التدريب من خلال شبكة الاجتماع بالفيديو. وهكذا.

 وجلي أن الخطوة الأولي في الدراسة المتأنية لاستخدام التعليم عن بعد في دعم التعليم الأساسي، وللعمل على تطويره وزيادة فاعليته، هي توفير مثل هذه البيانات التفصيلية، دوريا وبسرعة، على مستوي عال من الجودة.

 ويلخص الجدول التالي، في حدود ما أمكن جمعه من مادة- وهو قليل، أهم ملامح استعمال التعليم عن بعد في خدمة التعليم الأساسي في مصر على صورة مصفوفة من سبعة وسائط في مجالات ثلاثة.

 ويلاحظ أن خلايا الجدول، باستثناء واحدة- تلك المتعلقة بالانتساب الموجه لمعلمي التعليم الأساسي- هي إثرائية (لا تمثل بديلا للتعليم التقليدي). والاستخدامات الإثرائية للتعليم عن بعد هي الأصعب في المتابعة، ومن ثم في التقييم.
 

مصفوفة وسائط-مجالات التعليم عن بعد، والتعليم متعدد القنوات (الإثرائي)
في التعليم الأساسي في مصر
 

المجال

 

تدريب المعلمين(2)

رياض الأطفال، والتعليم الابتدائي والإعدادي(1)

محو الأمية وتعليم الكبار

الوسيط

مشروع التعليم الراديو التفاعلي (اللغة الإنجليزية)

البرامج التعليمية: الفصول التعليمية- أستاذ على الهواء- فترات مفتوحة على الهواء- مشروع التعليم الراديو التفاعلي (اللغة الإنجليزية)

برامج محو الأمية

الإذاعة

 

البرامج التعليمية

منذ 1963- حاليا 8 قنوات محلية: تنويهات وبرامج "العلم نور"
و"هيا نتعلم" و"قول يا قلم" و"اتعلم واتنور"
و"بكره الشمس تطلع"

التلفزيون

موديولات تعليمية: التربية السكانية والبيئية

شرائط الفيديو والأقراص المضغوطة- إنتاج وزارة التربية والتعليم

 

الدراسة المستقلة

كليات التربية-

معلمو المرحلة الابتدائية

(100 ألف، حتى 1996)

 

 

الانتساب الموجه

29 مركزا بطاقة 3751 مشاركا- 124 برنامجا (168 ألف مستهدف،

12 شهرا حتى منتصف 1998)(3)

 

 

الاجتماع بالفيديو

 

10407 مدرسة حتى 1998

 

الإنترنت

قناة

قناتان

قناة

القنوات الفضائية

(1) التعليم الابتدائي يشمل الفصل الواحد، وتشمل المراحل كلها "التربية الخاصة".

(2) تدريب المعلمين يشمل الموجهين والإداريين.

(3) لا يشمل الاجتماعات مع الدكتور الوزير.


تقييم جهود التعليم عن بعد

 إن كان توثيق جهود التعليم عن بعد في دعم التعليم الأساسي في مصر غير كامل، فالتقييم الرصين لهذه الجهود شبه غائب.

 لم يتوافر للكاتب إلا دراسة تقييمية واحدة للحملة الإعلامية لمحو الأمية، قام بها مركز بحوث ودراسات المرأة والإعلام، بكلية الإعلام، بالتعاون مع الهيئة العامة لمحو الأمية وتعليم الكبار (1998). وتضمنت هذه الدراسة استطلاع آراء عينة من الجمهور ومن العاملين بمحو الأمية في بعض جوانب التعليم عن بعد، في ميدان محو الأمية، من خلال الإذاعة، المسموعة والمرئية. وقد سبق هذه الدراسة تنظيم الهيئة العامة لمحو الأمية وتعليم الكبار للحلقة النقاشية الأولي للبرامج التعليمية لمحو الأمية في التلفزيون المصري عام 1996.

 وعلى هذا يظهر أن الاهتمام بالتقييم كان أوضح ما يكون، في حدود ما توافر من بيانات، في مجال محو الأمية وتعليم الكبار، وهو أمر يستحق الإشادة. غير أن ما قام فعلا من تقييم في مجال محو الأمية وتعليم الكبار، لا يفي في تقديرنا بمقتضيات تقييم واف لهذا المجال الحيوي من التعليم الأساسي.

 إذ يتطلب التقييم الرصين في هذا المجال، بداية، توافر "إحصاءات الخدمة" التي تجمع من خلال التقارير الإدارية: عدد الفصول، عدد المقيدين، عدد الناجحين في الاختبار، وخصائصهم.

 ولكن، على فائدتها، لا تكفي هذه البيانات لتقييم جاد للإنجاز، وهو أحد المدخلات الأساسية لعملية تخطيطية سليمة. وهناك ستة اتجاهات أساسية للعمل في هذا المجال:

 1. الالتحاق بالبرنامج، وتفاوتاته، ومحدداته.
 2. الاستمرار في البرنامج، وتفاوتاته، ومحدداته.
 3. اجتياز الاختبار النهائي للبرنامج، وتفاوتاته، ومحدداته.
 4. اكتساب المعارف والمهارات عند إنهاء البرنامج، تفاوتاته ومحدداته، من خلال اختبارات مقننة للمستفيدين عند التخرج.
 5. الاحتفاظ بالمعارف والمهارات بعد إنهاء البرنامج، وتفاوتاته، ومحدداته.
 6. تحليل التكلفة-العائد.

 وتتطلب الاتجاهات الثلاثة الأولي قيام نسق شامل وكفء لإحصاءات الالتحاق، والتقدم للاختبار، والنجاح فيه يوفر خصائص الأفراد. وبالإضافة، تتطلب كل الاتجاهات الستة، خاصة جانب المحددات في الاتجاهات الثلاثة الأولي والثلاثة الأخيرة بكاملها، القيام ببحوث معمقة تنبني على مسوح المعاينة.

 وقس على ذلك فيما يتصل بباقي المجالات المتضمنة في حصرنا لجهود التعليم عن بعد في خدمة التعليم الأساسي في مصر.

آراء عينة من القيادات التعليمية

 في محاولة أولية للتغلب على نقص جهد التقييم، نقدم فيما يلي موجزا للآراء التي أبديت خلال المؤتمر بالفيديو الذي عقد مع القيادات التعليمية في عموم الجمهورية، وممثلي الآباء، يوم
2 فبراير 1999 لمناقشة استعمال التعليم عن بعد في دعم التعليم الأساسي في مصر، ومدي فعاليته.

استيعاب مفهوم التعليم عن بعد

 حتى بعد تقديم موضوع التعليم عن بعد بوجه عام وعرض استخداماته في دعم التعليم الأساسي في مصر، لم يكن هناك لدي بعض المشاركين فهم واضح لمعني التعليم عن بعد، وللتفرقة بينه وبين التعليم متعدد القنوات (حيث تدعم أشكال من التعليم عن بعد التعليم في المؤسسات التعليمية النظامية).

 كان هناك ميل لاعتبار أي استخدام لوسائل تعليمية متطورة (بما في ذلك معامل العلوم مثلا)، وبوجه خاص تلك التي تقوم على التقانات الأحدث (مثل شرائط الفيديو أو الأقراص الممغنطة المضغوطة
CDs)، ولو بواسطة المعلم في سياق التعليم في المدارس، تعليما عن بعد.

 وتؤكد هذه الصعوبة على ضرورة تقوية جهد التوعية بأساليب التعليم عن بعد في أوساط المعلمين.

تقدير الفعالية

 تردد التقدير بأن معدات حديثة (مثل الفيديو الحواسيب) قد خصصت فعلا لبعض المدارس ولكنها لم تستخدم الاستخدام الأكفأ لأسباب متعددة، تضم:

 بعض المدارس (في مباني قديمة) لا تتوافر بها الإمكانات المطلوبة لتشغيل الأجهزة، وبعضها حتى لا يدخل في خطة هيئة الأبنية للتطوير بحيث تتوافر الإمكانات المطلوبة مستقبلا.

 خوف المعلمين المسئولين عن الأجهزة، عالية التكلفة، من تلفها أو سرقتها، الأمر الذي يدعوهم لتقليل إتاحتها للاستعمال العام (طالب بعض المشاركين، بحماس، بضرورة توفير وظيفة "حارس ليلي" بالمدارس).

· قلة التجهيزات، ونقص سعة أماكن المشاهدة والاستعمال، في حالة الفيديو الحواسيب، بالمقارنة بعدد الطلاب والفصول في المدرسة.
· تقادم الأجيال الأولي من الحواسيب واختلاف نوعها (الماكينتوش) عن المعيار السائد الآن، والذي تطور له البرامج التعليمية.
· ضعف وسائل الاتصال التليفوني، الأمر الذي يقصر الاتصال بالإنترنت في المدارس التي تتوافر بها الإمكانية على بعض المعلمين.
· يقلل تكرار انقطاع التيار الكهربائي من الاستفادة.
· قلة معرفة المعلمين المسئولين- بسبب قصور التدريب الذي يحصلون علىه- وثقل العبء الملقي عليهم (بالإضافة لجداول حصصهم).
· قرب غياب معرفة مديري المدارس والموجهين بإمكانات الأجهزة والسبل الأفضل لاستخدامها.
· قلة توافر الإمكانات اللازمة لتوفير الخامات المستهلكة (الأحبار، والورق، والشرائط، والأقراص الممغنطة).
· ضعف صيانة المعدات.
· قلة كفاية البرامج التعليمية عن تغطية المناهج، وتأخر وصولها خلال العام الدراسي.
· قلة الوقت المتاح لاستخدام الأجهزة والبرمجيات في ضوء توقيتات الانتهاء من أجزاء المناهج.

 وتثير هذه الملحوظات الحاجة الماسة إلى تعزيز جهود المتابعة والتقييم في ميدان التعليم عن بعد للعمل على تلافي أوجه القصور.

العائد/التكلفة

 
أثير التساؤل عن مدي كفاية العائد على التكلفة الضخمة لاستخدام بعض التقانات الحديثة، خاصة في ضوء غياب بعض المقومات الأساسية للعملية التعليمية السليمة (الطباشير الصحي، وسائل الإيضاح الأساسية، …).

الاجتماع بالفيديو

 اعتبر مفيدا، وتم التعبير عن الرغبة في توسيع نطاقه على المستوي المحلي، ولكن أثير أن عقد الاجتماعات بالفيديو أثناء فترة الدراسة يصيب الأداء المدرسي بالاضطراب. كذلك يعتقد أن الاجتماع بالفيديو يجب أن يكمّل بأشكال من التدريب العملي في مجموعات صغيرة تحت إشراف متخصصين.

القنوات الفضائية

 تكرر تفضيل نقل المواد التعليمية عبر قنوات الإرسال التلفزيوني العادي، المتاح للجميع تقريبا، بدلا من القنوات الفضائية التي تتطلب إما شراء جهاز فك الشفرة decoder (للقادرين) أو الاكتفاء بالمشاهدة في المدارس (لغير القادرين). كما أن المشاهدة في المدارس ستتزاحم مع الدروس العادية وتواجه مشكلة نقص الأماكن المتسعة لجميع التلاميذ في أغلب المدارس.

مكافحة الدروس الخصوصية

 ارتأى البعض أنه يمكن استخدام تقانات الاتصال الحديثة، خاصة شرائط الفيديو المسجلة لمعلمين ممتازين والأقراص المضغوطة المشوقة، في مكافحة الدروس الخصوصية، بعد أوقات الدراسة المعتادة، في المدارس بشرط توافر أماكن المشاهدة المناسبة. إذ، خلافا للبث الإذاعي المرئي أو المسموع، توفر الشرائط والأقراص إمكان التوقيف والمناقشة والإعادة حسب حاجة المتعلمين في كل موقع.

 في النهاية، تم التعبير عن الحاجة لزيادة الاهتمام ببرامج التعليم عن بعد لذوي الاحتياجات الخاصة.

خاتمة

 يتضح من الأقسام السابقة أن الجهود، القديمة والمتعددة، وكذلك الطفرة الأحدث، في استعمال التعليم عن بعد في مصر، ليست موثقة بالدرجة المطلوبة للدراسة المتأنية أو لتقييم مدي الفعالية، أو تقدير العائد على التكلفة، وهي ضخمة أحيانا. غير أن التقييم الرصين لاستعمال التعليم عن بعد يتطلب ما يتعدي التوثيق الوافي إلى عمليات بحثية مضبوطة.

 وهناك مؤشرات، انطباعية في الأساس، على قلة فعالية استخدام التقانات ووسائل الاتصال الحديثة، وقصور العائد بالمقارنة بالتكلفة. وليس هذا بالأمر المستغرب في ضوء التحليل العام للمشكلات التي تواجه الاستغلال الناجع للتعليم عن بعد في البلدان النامية، والتي أشرنا إليها في القسم الأول من الورقة.

 والمؤكد أن ضمان التوثيق الوافي، وإعمال التقييم الرصين، يعظمان من فرصة الاستغلال الأمثل للتعليم عن بعد في دعم التعليم الأساسي، من خلال التصحيح والتقويم المستمرين، وهما متطلبان جوهريان لزيادة كفاءة أي نشاط إنساني مركب.

المراجع

القسم الأول

 اعتمدت الورقة في هذا القسم على مجموعتين أساسيتين من المصادر:

1. التعليم عن بعد، مصر واليونسكو، إصدار ديسمبر 1996، اللجنة الوطنية المصرية لليونسكو، القاهرة، والذي حوي أوراق اجتماع خبراء نظمته المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم واللجنة الوطنية المصرية لليونسكو في مايو 1996.

2.   مجموعة أوراق ندوة إقليمية عقدتها منظمة الأمم المتحدة للأطفال، في القاهرة أيضا، قرب نهاية العام نفسه:

Multichannel Learning/Distance Education Seminar for Reaching MENA’s Unreached”, Cairo, 28 October-1 November, 1996.

وسيشار إلى المراجع المختارة من هاتين الندوتين فيما يلي بإضافة الرقم (1) أو (2) في نهاية المرجع.

باللغة العربية

أحمد أبو شيخة (1996)
اقتصاديات مشروعات التعليم عن بعد وبدائل تمويلها. (1)

أحمد شبشوب (1996)
التجربة التونسية في ميدان التعليم عن بعد. (1)

المكي المروني (1996)
تجربة دولة المغرب في مجال التعليم عن بعد. (1)

المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم (1996)
رؤية استراتيجية للتعاون الإسلامي في مجال التعليم عن بعد. (1)

سامح سعيد، عايده أبو غريب، نجوي جمال الدين (1996)
تكنولوجيا التعليم والتعليم عن بعد في جمهورية مصر العربية. (1)

صلاح الدين محمود إليتيم (1996)
تجربة الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمي في مجال التعليم عن بعد، الجامعة المفتوحة في الجماهيرية الليبية، الواقع والتطلعات. (1)

عصام أحمد فريحات (1996)
التجربة الأردنية في مجال التعليم عن بعد. (1)

يعقوب نشوان (1996أ)
تجربة جامعة القدس المفتوحة في التعليم عن بعد.(1)

------- (1996ب)
تقويم التعلم عن بعد بجامعة القدس المفتوحة من وجهة نظر الدارسين. (2)

باللغة الإنجليزية

Ehrmann, S. C. (1995)
Moving beyond campus-bound education, Chronicle of Higher Education,
July 7.
Matshazi, M. J. (1996)
The role of multichannel learning in national education reform: the South African experience. (2)

Mukhopadhyay, M. (1996a)
Economics of open schooling, case Indian national open school. (2)

------------------------ (1996b)
Multichannel learning: the case of national open school, India. (2)

Mutalib, Rashida A. (1996)
Reaching the unreached through distance education. (2)

Potashnik, Michael (1996)
Distance education lessons from experience challenges for the future. (2)

Sheikh Jarrah (1996)
Al-Quds, open university, Jerusalem. (2)

Sherry, L. (1996)
Issues in distance learning, International Journal of Educational Telecommunications, 1(4), 337-365.

Tilson, Thomas D. (1996)
Multichannel learning- can radio be a cost- effective and sustainable tool? (2).


القسم الثاني

المركز القومي للامتحانات والتقويم التربوي (1998)
التعليم عن بعد، إنجازات مبارك في التعليم (1991-1998).

كلية الإعلام، مركز بحوث ودراسات المرأة والإعلام، بالتعاون مع الهيئة العامة لمحو الأمية وتعليم الكبار (1998)
تقييم الحملة الإعلامية لمحو الأمية، مارس.

تقارير من: المركز القومي للامتحانات والتقويم التربوي، والهيئة العامة لمحو الأمية وتعليم الكبار، والمركز القومي للبحوث التربوية والتنمية، ومركز التطوير التكنولوجي بوزارة التربية والتعليم، وقطاع التعليم العام بالوزارة، ومركز تطوير المناهج والمواد التعليمية، والمستشار الإعلامي للسيد الدكتور وزير التعليم (مقرر اللجنة العليا للقنوات التعليمية) ومديرة الإذاعة التعليمية (شبكة الإذاعات الإقليمية).
 

[1] يلاحظ أنه، وفقا لهذا التعريف، لا يندرج استخدام المعلمين لوسائط تقانية متطورة في عملية التعليم في المدارس تحت مفهوم التعليم عن بعد.

[2] وفي هذا خسارة مؤكدة، خاصة في مراحل التعليم الأولي التي يلعب التفاعل الإنساني المباشر فيها دورا حاسما في تكوين الشخصية. وإن كان التعليم التقليدي ذاته كثيرا ما يعاني من غياب هذا التفاعل الإنساني في البلدان النامية.

[3] يلاحظ أن بعض الأشكال الأحدث من التعليم عن بعد، مثل عقد المؤتمرات من خلال شبكات التليفون والفيديو و الحواسيب، توفر إمكان الاتصال الآني بين المعلمين والمتعلمين.

[4]توفر بعض أشكال التعلم عن بعد الحديثة "قرناء على البعد" من خلال التخاطب دون اجتماع في موقع واحد.

[5]جُمعت مادة هذا القسم أساسا من خلال الاتصال بعدد من الهيئات والمسئولين ذوي الصلة بموضوع التعليم عن بعد. ويسر الكاتب تقديم الشكر وفيرا لرؤساء المركز القومي للامتحانات والتقويم التربوي، والهيئة العامة لمحو الأمية وتعليم الكبار، والمركز القومي للبحوث التربوية والتنمية، ومركز التطوير التكنولوجي بوزارة التربية والتعليم، وقطاع التعليم العام بالوزارة، ومركز تطوير المناهج والمواد التعليمية، وللمستشار الإعلامي للسيد الدكتور وزير التعليم (مقرر اللجنة العليا للقنوات التعليمية) ومديرة الإذاعة التعليمية (شبكة الإذاعات الإقليمية) على ما قدموه من عون. ويبقي محتوي الورقة، بالطبع، مسئولية الكاتب.
 

نقلا عن مركز المشكاة للبحث ، مصر
http://www.almishkat.org


 




 


2002م المعهد العربي الإسلامي في طوكيو